النويري
175
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأما المقارنة - فهي أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة أو غير ذلك بوصل يخفى أثره إلَّا على مدمن النظر في هذه الصناعة ، وأكثر ما يقع ذلك بالجمل الشرطيّة ، كقول بعض « 1 » شعراء المغرب : وكنت إذا استنزلت من جانب الرضى نزلت نزول الغيث في البلد المحل وإن هيّج الأعداء منك حفيظة وقعت وقوع النار في الحطب الجزل فإنه لاءم بين الاستعارة والتشبيه المنزوع الأداة « 2 » في صدري بيتيه وعجزيهما . وأما ما قرنت به الاستعارة من المبالغة فمثاله قول النابغة الذّبيانىّ : وأنت ربيع ينعش الناس سيبه وسيف أعيرته المنيّة قاطع فإن في كل من صدر البيت وعجزه استعارة ومبالغة ، وإنما التي في العجز أبلغ . ومما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة قول تميم بن مقبل : لدن غدوة حتى نزعنا عشيّة وقد مات شطر الشمس والشّطر مدنف فإنه عبّر بموت شطر الشمس عن الغروب ، واستعار الدّنف للشطر الثاني . وأما الإبداع - فهو أن يأتي في البيت الواحد من الشّعر ، أو القرينة الواحدة من النثر بعدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله ، وربما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع ، ومتى لم تكن كلّ كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع قال ابن أبي الإصبع : وما رأيت فيما استقريت من الكلام كآية استخرجت منها أحدا وعشرين ضربا من المحاسن ، وهى قوله تعالى : * ( وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) *
--> « 1 » هو إدريس بن اليمان كما في تحرير التحبير لابن أبي الإصبع . « 2 » في الأصل : « الإرادة » ؛ وهو تحريف .